Friday, 28 June 2013

تحياتي لهذا المجتمع الذكورى 11 ..... بقلم ريم موسى



أصبحت ندى من مرتادى العيادات النفسية لم تكن تعلم بالتحديد لماذا تذهب لطبيب منذ أشهر الأطباء النفسيين و لكنها كانت تذهب لأنها تعلم جيدا أن الجميع بحاجة لطبيب نفسى تتحاور معه و تتحدث معه عن كل ما يقلقها و يشغل بالها ليخفف من ضغوط النفسية الناتجة عن الحياة اليومية . لم تكن ندى من المقتنعين بنظرية أن من يذهب لدكتور نفسى لابد أن يكون محتل عقليا أو ذو إعاقة ذهنية و لأن حسين مقتنع بذلك أصبحت تذهب لهذا الدكتور بدون علمه . 20/3/2005 كان هذا تاريخ أول زيارة لندى لعيادة الدكتور أشرف زيدان و ذلك كان بعد ولادة إبنها البكر أحمد بحوالى شهرين و نصف و كان تعانى بما يُسمى إكتئاب ما بعد الولادة أو هذا ما ظنت انها تعانى منه . حجزت ندى موعد لزيارة الدكتور أشرف و ذهبت بالفعل فى الميعاد المحدد . دخلت ندى لتجد فى مقابلتها مكان شاسع الأرضية عبارة عن زجاج و تحته مياه زرقاء و يقسم هذا الزجاج أرضية خشبية . لم تدرك ندى إذا كانت هذه الأرضية حقيقية أم مجرد خدعة بصرية تمتد الأرضية بهذا الشكل لآخر العيادة الحوائط لونها ذهبى فاتح و يوجد فراغ فى الحائط الأيمن و يوجد به حوض أسماك ضخم و توجد بعض اللوحات معلقة على الحائط المقابل لحوض الأسماك و يستقر فى آخر العيادة مكتب إستقبال المرضى الخشبى رائع الشكل و بجوار مكتب الأستقبال باب غرفة مغلقة و من الواضح إن هذه هى غرفة الكشف و على جانبى العيادة و فى المنتصف توجد بضعة الكراسى التى يجلس عليها المرضى . الأضاءة بصورة عامة خافتة و هناك موسيقى هادئة تشعر عندما تسمعها بالأسترخاء. اندهشت ندى من ديكور العيادة لأنها ظنت أن ديكورات مثل تلك لا تراها غير فى الأفلام الأجنبية و لم تكن متخيلة ان هناك عيادة فى القاهرة بهذا الشكل و لكنها كانت متأكدة أن عيادة مثل تلك لابد أن يكون مصممها فائق الذكاء ليصمم هذا الديكور بهذا الشكل . كانت ندى وصلت قبل موعدها بحوالى نصف ساعة قالت ندى لنفسها أن حسين لم يكن أبدا شخص سئ طوال الوقت و لكنه لم يكن عنده القدرة لتعامل مع إمرأة و مع إحتياجات أي إمرأة ولا يفهم أن المرأة تحتاج الشعور بالأمان أكثر من أى شئ آخر . لكن نشأة حسين كانت السبب الرئيسى فى جعله هذا الرجل العملى الذى يحسب كل شئ بالورقة و القلم حتى مشاعره ناحية زوجته .كان حسين الأخ الأكبر لثلاثة أخوات و أخ و أم أرملة أصبح هو العائل الأول لأسرته فى سن صغير ف لذلك أصبحت الجدية هى أسلوب حياته . لم يحاول مطلقا أن يفهم ندى أو حتى يفهم إختياجاتها كمرأة .
مدام ندى إتفضلى ... قاطعت الممرضة أفكار ندى لتعلمها بأن ميعاد دخولها الآن .
دخلت ندى غرفة الكشف و وجدتها نفس الديكور بالخارج و لكن يوجد كرسى الشيزلونج الشهير بوجوده فى عيادات الأطباء النفسيين بوجه عام الجو المحيط بالغرفة مريح نفسياو مثير للأسترخاء . الدكتور أشرف زيدان هو رجل فى أواخر الأربيعين من عمره ذو ملامح جدية نوعا ما قمحى البشرة و صاحب عينان بنية اللون مختفية تحت تلك النظارة الشفافة المستطيلة شعره الأبيض يزيد من وقاره . جلست ندى أما الدكتور و لم تعلم كيف تبدأ بالحديث أو كيف تجرى مثل هذه المقابلات مع الأطباء النفسيين .
د.أشرف: إزيك يا مدام ندى !؟ ممكن أعرف إيه المشكلة الأساسية اللى عندك؟
ندى: أنا تقريبا كده يا دكتور عندى إكتئاب ما بعد الولادة
د.أشرف: طب قوليلى الأول انتى عندك كام سنة أنا عارف السؤال ده بيضايق الستات بس معلش استحملينى و خريجة كلية ايه
ندى: أنا خريجة صيدلة و عادى يا دكتور انا بقول سنى عادى انا عندى 34 سنة
د.أشرف: متجوزة من أد ايه ؟
ندى: من 3 سنين تقريبا
د.أشرف: طب ايه اللى خلاكى تقولى انك عندك اكتئاب ما بعد الولادة ؟
ندى: لأنى بقيت دايما عايزة أعيط و بتمنى الموت دايما
د.أشرف: انتى كنتى عل طول مائلة للحزن ولا ده بعد الولادة بس ؟
ندى: لا يا دكتور انا مكنتش كده انا بقيت كده من بعد ما اتجوزت و زاد الموضوع اكتر بعد ما ولدت
نظر لها الدكتور أشرف بجدية ثم قال: طب احكيلى ايه الفرق بين حياتك قبل الجواز و بعد الجواز و قبل الولادة و بعد الولادة ؟
صمتت ندى للحظات و إعتلت على وجها بعض مظاهر التوتر ثم قالت : معرفش يا دكتور صراحة ايه الفرق بس أنا حاسة انى قبل الجواز كنت مرتاحة اكتر من دلوقتى
د.أشرف: انتى اتجوزتى عن حب ولا جواز تقليدى ؟
ابتسمت ندى إبتسامة باهتة :جواز تقليدى
د.أشرف: طب إسمحيلى اتجوزتى عشان مقتنعة ولا عشان مضطرة !؟
ندى: لا صراحة كنت مضطرة لأن مامتى كانت شايفة انى كبرت و لازم اتجوز خلااص
د.أشرف: طب بصى يا مدام ندى أولا اللى عندك مش إكتئاب ما بعد الولادة ثانيا احنا لسه ادامنا زيارات كتير فأنا هأكتبلك على مهدئ خديه و بره منى هتقولك عل الميعاد اللى جاى بس المهم انتى إهدى.
غادرت ندى الغرفة و ذهبت للاتفاق مع منى على موعدها القادم ثم غادرت العيادة
ركبت سيارتها و سارت فى طريقها لمنزل والدتها لتأخذ إبنها أحمد . كانت قد أخبرت والدتها و زوجها انها ذاهبة لإحدى صديقتها لأنها لم تتجرأ أن تخبرهم بأنها ذاهبة لطبيب نفسى . ظلت ندى تفكر أن فكرة زيارة طبيب لم تكن بالسوء الذى تخيلته.
خلال طريقها تذكرت سؤال الدكتور عن الفرق بين حياتها قبل الزواج و بعد الزواج و حياتها قبل الولادة و بعد الولادة لم يكن من الصعب على ندى أن تدرك الفرق و لكنها ما زالت لا تستطيع أن تواجه نفسها أنها خضعت لوالدتها بطريقة أهانتها و جعلتها توافق لمجرد أنها لم تستطع أن تواجه والدتها و تقول لها أنها غير موافقة على الزواج من حسين  . كانت ندى قبل الزواج أكثر مرحا و أكثر نشاطا و كأنها لم تواجه هموم فى حياتها و كانت تحاول ألا تنظر لما يفعله والديها حتى لا تعكر مزاجها مع أن كل محاولاتها كانت تبوء بالفشل فى النهاية . و مع ذلك كانت من أصحاب المزاج نادر التعكير . لكن بعد زواجها من حسين حياتها إختلفت تماما و لم تكن تلك هى الصورة التى رسمتها ندى عن الزواج . فى البداية كانت ندى تعذر حسين أنه لم يكن يعلم طباعها جيدا و لكنها إكتشفت مع مرور الوقت ان المشكلة هى أن حسين لا يستطيع أن يتعامل مع المرأة بصورة عامة و متخيل أن كل السيدات مثل والدته السيدة الصعيدية التى لا تشتكى أبدا من أى مرض ولا تطلب حب ولا اهتمام من أى شخص و ظن ان كل النساء مثلها . لذلك لم يستطع أن يدرك أن ندى لها متطلبات و ليست بالضرورة ان تكون مثل والدته .
عادت ندى لمنزلها بعد زيارتها الأولى للطبيب النفسى و كانت تحاول ان تهدأ و كان إبنها أحمد جاء موعد نومه ف نام و هى دخلت غرفة نومها و وقفت أمام دولابها لتختار ما سوف ترتديه قبل أن يأتى حسين . بالفعل أرتدت أفضل ما عندها و تزينت و أصبحت فى أحسن حالاتها و جلست أمام التلفزيون تنتظر حسين . ظلت منتظرة حسين حوالى ثلاث ساعات و فى النهاية غلبها النوم و نامت على أريكة غرفة المعيشة .. إستيقظت مع أدان الفجر على صوت إبنها أحمد يبكى إستعربت قليلا انها مازلت على الأريكة تخيلت أن حسين لم يعد للمنزل بعد . ذهبت لترى أحمد و تقوم بتنويمة مرة آخرى . بعد أن نام أحمد ذهبت لغرفتها لتنام فى سريرها ما فاجأ ندى أن حسين نائم فعلا .
 قالت ندى لنفسها : يعنى أنا مستنياك ده كله و انتى جيت دخلت تنام و حتى مهانش عليك تصحينى ادخل انام فى سريرى .
مر أسبوع بعد زيارة الدكتور النفسى كأى أسبوع مر على ندى إلا أنها خلال هذا الأسبوع هادئة نوعا ما على الرغم من محاولات حسين المستمرة لإغاظتها . هى فسرت ذلك بإنها تتناول المهدئ الذى وصى به الدكتور لها . جاء اليوم المحدد لزيارة ندى للدكتور للمرة الثانية و كانت قد فكرت ملياً فى سؤال الدكتور لها فى الزيارة الأولى ...... ذهبت للدكتور و لكن هذه المرة ذهبت فى الميعاد بالظبط لأنها لم ترد أن تفكر كثيرا فى الأجوبة التى جهزتها فى عقلها لترد على سؤال الدكتور . بمجرد أن دخلت العيادة نادت الممرضة على إسمها و دخلت غرفة الكشف ....
بعد بعض الأسئلة المعتادة مثل هل أحست بأى تغيير مع تناول المهدئ ؟ هل حالتها النفسية أفضل أم أسوأ أم هى كما كانت فى المرة الماضية ؟ جاء سؤال مفاجئ من الدكتور ....

الدكتور: انتى طلبتى الطلاق قبل كده يا مدام ؟
تلجلجت ندى قليلا ثم قالت: ااه
الدكتور:طب انتى ليه طلبتى الطلاق ؟
عادت ندى بذاكرتها للقاء عائلتها فى منزل عمتها بعد محاولتها لطلب الطلاق للمرة الأولى . كان التجمع الأسرى سببه أن يتناقشوا فى قرار ندى بطلب الطلاق من حسين .
بعد أن دخلت منزل عمتها و اكتشفت وجود هذا الجمهور العريض المجتمع ليرجع ندى  فى قرار كان القرار الأصح فى حياتها كاملة
جلست فى مقابلة هذا الجمهور و كانت أمام والدتها مباشرة و كانت متعمدة ان تجلس فى مقابلتها بدأت عمتها سلوى بالحديث قائلة : إيه يا ندى يا حبيتى اللى مدحت بيقوله ده ؟
ندى: بيقول ايه يا عمتى أصلى مسمعتش هو قال إيه ؟
سلوى: بيقول انك عايزة تطلقى !!!
ندى: ااه يا عمتى فعلا انا عايزة اطلق مبقاش ينفع أعيش معاه
نظرت لها عمتها نظرة كأنها تريد أن تقرأ أفكارها ثم قالت : ليه فى ايه إحكيلنا ؟
وجهت ندى نظرها لوالدتها و قالت بإستنكار : ايه هما بابا و ماما مش قالولكوا أنا عايزة أطلق ليه؟
رد عمها جمال : لا يا ندى مقالوش ليه و احنا عايزين نعرف منك انتى
ندى: و الله يا عمو حسين اتجوز عليا انا عشان انا مبقتش حامل و قال ان من حقه يخلف و يجيب ولى العهد ف راح اتجوز عليا و مراته حامل و انا عرفت بالصدفة البحته لما حماتى قالتلى عشان تغيظنى بس لأجل سوء نيته أكتشف انى حامل
نظروا جميعا لبعض ثم قال عمها : ألف مبروك يا حبيبتى ثم وجه كلامه لوالدها: هتبقى جد يا مدحت خلااص
ندى: الله يبارك فيك يا عمو و انا طلبت الطلاق فعلا و سبت البيت ثم وجهت كلامها لوالديها بس الظاهر انى قعدتى فى بيت أبويا بقت تقيلة عليهم شويتين
سلوى: لا ازاى تقولى كده يا ندى !!؟ بس الموضوع و ما فيه هما مش عايزينك تخربى بيتك
ندى: البيت اتخرب خلاص من اول ما هو فكر يتجوز عليا يا عمتو
سلوى: لا متقوليش كده هو انتى لسه كملتى حاجة يا حبيبتى دى نزوة و بكرة يفوق و انتى الأولى و صاحبة البيت أصلا مكانش ينفع تسيبى البيت
حاولت ندى أن تمنع نفسها من الضحك و لكنها فقدت السيطرة على نفسها و أطلقت ضحكة عالية أخيراً
نظر الجميع إليها بإستغراب .....
قالت ندى و عينيها مدمعتين نتيجة نوبة الضحك الهيسترية التى وقعت بها: كان أنكل سليم فاق يا عمتو و لا إيه يا عمتو سعاد ؟ ثم نظرت نظرة ذات معنى لعمتها سعاد التى مرت بهذه التجربة قبلاً و مازالت تحاول تقنع نفسها أنها الأساس
فوجئ الجميع بما قالته ندى لأن لا أحد منهم متوقع ان يصدر كلام مثل ذلك من ندى بمعنى آخر هذه هى ندى المثال الأكبر للتربية بالعائلة و بالأخص عمتها سعاد التى نظرت فى الأرض و لم تتخيل ان كلام مثل ذلك قد يُوجهلها و بالأخص من ندى.
استطردت ندى كلامها و هى تنظر لعمتها سعاد بشفقة : معلش يا عمتو و معلش يا جماعة بس ندى الصغيرة النونة المؤدبة دى خلاص مبقتش موجودة و خلاص كبرت و مبقتش بنت و دى حياتى أنا و أنا عن نفسى مش هأقدر أعيش بالأسلوب ده طول حياتى أنا ممكن يجرالى حاجة انا وافقت الاول ماما على الجوازة دى لأنها كانت عايزة من وراها حاجة تانية صح يا ماما ولا إيه ؟
وقفت والدة ندى و قالت بحدة: أنا شكلى معرفتش أربيكى يا ندى انتى إزاى بتتكلمى كده و ايه قلة الأدب اللى انتى فيها دى ؟
ندى: دى مش قلو أدب يا ماما و أنا و انتى عارفين كويس انتى وافقتى ليه على حسين ف بلاش تعملى نفسك دلوقتى انك المجنى عليكى و جايبة الناس دى كلها عشان تعمليلى مجلس تأديبى عشان أرجع عن قرارى بس تعرفى يا ماما انا مش هأرجع عن كلامى لأن الموضوع ببساطة مبقاش ف إيدك ده بيتى انا و جوزى و ابنى ولا بنتى اللى هيجى دى حياتى انا ملكيش دعوة بيها كفاية اللى عملتيه لغاية دلوقتى .

برغم الراحة التى أحست بها ندى بعد أن قالت كل ذلك لوالدتها إلا أنها أحست بالندم قليلا و لكن سرعان ما فارقها هذا الشعور لأنها لم تخطئ بأى شئ مما قالته .
كان الجميع مندهش منها و من طريقة الكلام التى وجهتها لوالدتها و لكنها بالرغم من ذلك وقفت أمام والدتها و استطردت قائلة : لو فى كلمة من اللى انا قولتها غلط قوليلى ...... انا خلاص يا ماما كبرت و عديت ال 30 سنة ولا نسيتى دى كانت جملتك المفضلة ف إذلالى ......
سكتت ندى بعد أن قامت والدتها بصفعها على وجهها
والدتها : الظاهر انى معرفتش أربيكى عشان تردى علينا بالشكل ده
فى وسط ذهول جميع الحاضرين أخذت ندى شنطتها و قالت : أنا أسفة انى افتكرت ان البيت لسه بيتى و على الأقل مش هكون ضيفة تقيلة عليكوا يا ماما عن إذنكوا .
لم يدرك أحد ما حدث خلال الخمس دقائق الماضية و لكن اندفعت ابنه عمة ندى وراءها قائلة: إيه يا ندى رايحة فين استنى بس . و لكن حديثها كان بدون جدوى ف كانت قد غادرت المنزل بالفعل و أغلقت الباب وراءها .
فتحت باب الأسانسير و لكنها لم تضغط على زر النزول بعد. حاولت إستعياب ماذا حدث للتو و لكنها لم تستطع التفكير ضغطت على زر الدور الأرضى عندما أحست ان هناك أحد خرج من شقة عمتها .
لم تكن تدرى ندى أنها لم تكن فقط تفكر فيما حدث من قبل و لكنها كانت فى نفس الوقت تحكى ماذا حدث للدكتور أشرف و الدموع تنهال على وجنتيها .
أدركت أخيرا أنها مازالت فى عيادة الدكتور ف نظرت له قائلة و هى محرجة : أنا أسفة يا دكتور جدا بس أنا قلت حاجة ملهاش علاقة بالسؤال اللى انت سألته .
رد عليها الدكتور : لا بالعكس انا كده عرفت معظم اللى انا كنت عايز أعرفه . حضرتك ممكن تتفضلى و منى بره هتحددلك الميعاد اللى جاى و لو سمحتى استمرى على نفس العلاج بتاع المرة اللى فاتت .
                                                  يُتبع




Tuesday, 16 April 2013

تحياتي لهذا المجتمع الذكورى 10 ..... بقلم ريم موسى




فى مجتمعنا المصرى أصبح الزواج كصفقة من يدفع أكثر لمن تمتلك أصول أكثر أصبح الزواج كصفقة حقيرة فى السوق السوداء . الأشخاص فى مجتمعنا الجليل تناسوا المعيار الأساسى للزواج و بحثوا عن معايير آخرى . نسوا أو تناسوا أن القيمة الأساسية للزواج كما قال الرسول(ص) من ترضوا دينه و خلقه فزوجوه و لا يمكن غض النظر عن التكافؤ الإجتماعى و التكافؤ المادى بين الطرفيين و لكن الأمر إختلف تماما الآن حيث أن أصبح الزواج جوهره المادة . أصبح الزواج عبارة عن من سيدفع مهر أكثر من غيره و من يمتلك شقة تمليك و من سيشترى شبكة بسعر أعلى و من سيكتب مؤخر أعلى من غيره و مثل ذلك فى الكثير من الأمور أصبح مجمل الزواج المادة البحتة . و نسينا كل المعانى الجميلة للزواج من حيث انه بداية لأنشاء أسرة و بيت جديد و حياة جديدة و اندماج بين عائلتين أو بمعنى أصح إنصهار عائلتين . و نسوا أيضا أن الزواج لابد أن يقام على أساس توافق فكرى بين الطرفين حتى يستطيعوا الأستمرار فى الزواج هذا لو لم نتحدث عن الحب و أن الحب يأتى بعد الزواج كما يقال فى الزواج التقليدى أو ما يسمى بزواج الصالونات . من تقبل على نفسها أن تعيش مع رجل بُنيت علاقتهما على المادة كيف ترى نفسها عندما تنظر فى المرآه . ألا ترى أى تشابه بينها و بين العاهرات التى يتم الدفع لهن أو الدفع لقوادهن لتمارس علاقة مع رجل . ألا تنظر لنفسها بإستحقار إذا شعرت فى يوم ان زوجها يبقيها على ذمته فقط لأنه غير قادر على دفع قيمة المؤخر أو قيمة القايمة . كيف ترى نفسها عندما تُهان بأسوء الطرق لمجرد أن زوجها يدفعها لطلب الخلع حتى لا يدفع المبالغ الطائلة التى كتبها على نفسه . كيف ترى نفسها عندما يتزوج زوجها غيرها و يتركها كما يقال "زى البيت الوقف" لمجرد أنه لا يرغب فى دفع قيمة لمؤخر و القايمة . لا أعنى بكلامى أن كل الزيجات بهذا الشكل و لكن هناك نسبة لا يستهان بها على هذا الشكل . حين نستمع لفتاة تم خطبتها حديثاً تتحكى لصديقتها عن خطيبها نجدها تقول "ده دكتور و عنده شقة تمليك و جابلى شبكة بالمبلغ الفلانى و هنجهز الشقة بالمبلغ الفلانى" و لا نراها تتحدث عن صفاته كرجل أو عن شكله أنما الحديث قائم على المادة أيضاً.
خلال رحلة عودة ندى لمنزل عمتها تذكرت أول مرة رفع فيها حسين يده و ضربها على وجهها و كم كانت تشعر بالأهانة و انها فقدت شئ من كبرياءها كيف انه يفعل معها شئ كهذا و كان هذا رد فعله نتيجة مناقشة تافهة عن مصاريف البيت . لكنها تذكرت أيضا أنها لم تكن المرة الوحيدة التى فعل فيها ذلك بل تتطور الأمر لأكثر من مجرد صفعة على الوجه . و لكنها لم تستطع أن تتحدث لأنها هكذا تهين كرامتها أكثر و أكثر و لأنها تعلم أن والديها لن ينصفاها كالعادة . ندى لم تستطع أبدا أن تقف أمام والديها لتقول لهم ما الذى تشعر به بالتحديد أو تعترض على أى قرار من قراراتهم .

وصلت ندى لمنزل عمتها و لكنها انتظرت لفترة فى السيارة لم تستطع ندى تحديد كم من الوقت مكثت فى السيارة ختى قررت النزول و مواجهة الأمر الواقع فى فترة مكوث ندى فى السيارة ظلت تنظر لكل من يمر بجوار سيارتها و تتخيل كم من حكاية وراء كل هذه الوجوه و أقنعت نفسها أنها أفضل من غيرها بكثير و أنها ستتخلص من كل مخاوفها و تصمد أمام والديها حتى يتم الطلاق و لكن كان هناك جزء خفى داخلها لم يكن متأكد من مدى صدق كلامها لنفسها . حاولت تذكر أى لحظة عاشتها و هى سعيدة مع حسين و لكنها لم تستطع تذكر أى شئ له و هذا كان بسبب أنه لم يكن هناك لحظات سعيدة بينهم تلك اللحظات التى تأخذها فوق السماء من السعادة و السبب الآخر ان بعد زواجه من آخرى أصبح صعب عليها تخيله و كل ما كانت تتخيله كانت تراه مع زوجته الآخرى . أخيرا ترجلت ندى من سيارتها و توجهت نحو هذه البوابة القديمة ذات الطراز العتيق الخاص بمنطقة الكربة فى مصر الجديدة و تذكرت عدد المرات التى كانت تلعب و هى ضغيرة فى مدخل هذه العمارة . هنا كانت تختبأ من بنات عمتها و هناك كانوا يجلسوا يلعبوا سيجا إبتسمت ابتسامة خفيفة و دخلت ذلك المصعد الضيق و صعدت للدور الثالث كانت ضربات قلبها تزداد قوة أحست ان هناك شئ سوف يحدث و مع ذلك تماسكت و خرجت من المصعد و ضغطت على جرس الشقة رقم 5 . فتح الباب رجل فى أواخر العقد السادس من عمره يرتدى بنطال رمادى اللون و قميص أبيض اللون و به خطوط طولية لونها رمادى طويل القامة ذو شعر شائب يعطيه وقار و هيبه ذلك الرجل لواء جيش متقاعد  قائلا : ندى ازيك يا حبيبتى عاملة ايه ؟ اتفضلى .
قالت ندى: عمتى موجودة يا أنكل؟
عماد: أه موجودة اتفضلى
دخلت ندى هذه الشقة ذات الطراز القديم ذو الأرضية الخشبية و السقف العالى و الشبابيك الطويلة و الحوائط ذات اللون الأبيض تدل هذه الشقة على أن ساكنيها أصحاب ذوق رفيع فى طريقة ترتيب البيت و كانت بالفعل تبدو فخمة جدا و كانت تحب ندى هذا المزيج من الفخامة و العراقة المتواجد فى منزل عمتها . فى مدخل الشقة توجد على الحوائط مجموعة من الصور لأفراد أسرة عمتها فى مختلف الأعمار و الفترات الحياتية و لكن توجد صورة أكبر من الباقيين و هى صورة بالأبيض و الأسود لزوج عمتها عماد ببذلته العسكرية و بجواره هذه المرأة الجميلة القصيرة رقيقة الملامح و الشعر القصير حين تراها كأنك ترى أحدى ممثلات السينما المصرية القديمة و ترتدى ذاك الفستان الأبيض الملائكى ذو التصميم الملكى و كما كانت ندى تسمع دائما انهم يشبهون هذا الفستان بفستان زفاف الملكة فريدة زوجة الملك فاروق هذه عمتها سلوى . بعد حائط الذكريات توجد الصالة الرئيسية للشقة و كان بها صالونان أحدهما كحلى اللون و الآخر سكرى اللون كان يوجد بالبيت إحساس بالألفة و الجو العائلى المثالى . أخيراً وجدت ندى من ينتظرها فى الصالون جميع أفراد عائلتها بداية من أبيها و أمهها و مرورا بعمتها سلوى و عمتها الآخرى سعاد و عمها جمال و ابنه و ابن عمتها سلوى و بالنهاية زوج عمتها عماد الذى كان يقف خلف ندى . نظرت ندى حولها بتعجب و ضحكت ضحكة سخرية ......

ماما هى المسألة دى تتحل إزاى ؟ عادت ندى من رحلة ذكرياتها على صوت إبنها محمد
ندى: ورينى يا حبيبى .... دى سهلة أووى انت حليت زيها كتير بص بقى ......
كانت ندى تتمنى فى يوم من الأيام ان تكون حياتها مثالية و لكنها مع الوقت لم تعد تطمح لهذه المثالية و لكن كل ما كانت تتمناه أن يعيش ولديها حياة متوازنة بدون ان يتأثروا بخلافتها مع حسين و لكن مع مرور الأحدى عشر عام التى قضتهم مع حسين أصبح ولديها واعيين تماما لما يحدث بينها و بينه و أصبح ذلك يؤثر فيهم بالسلب سواء على نفسيتهم او على علاقتهم الإجتماعية مع من حولهم حيث أن أصبحوا منطويين على أنفسهم و أثر ذلك أيضا على مستواهم الدراسى و تلقت ندى الكثير من الشكاوى من ولديها من مديرة المدرسة التى يرتادوها حيث أنهم لا يعطوا تركيز كامل للدراسة و مائليين للعنف مع الأولاد معهم فى المدرسة . كانت ندى مدركة تماما أن هذا ممكن أن يحدث منذ أن أصبحت حامل فى أحمد ولدها الكبير و لكنها حاولت كثيرا تغيير ذلك و لكنها لم تستطع .
أخذت ندى تتفقد منزلها و تلقى نظرة على كل غرفة و كأنها تلقى نظرة على ذكرياتها فى هذا المنزل لم تستطع ندى تذكر ولا ذكرى واحدة كاملة من السعادة بدون ان ينهيها حسين بنكد و شجار كالمعتاد . كانت متطلبات ندى تغيرت على مر السنين هى فى البداية كانت تطلب من حسين ان يحبها كحب الأساطير و لكن لم يُلبى لها هذا الطلب . أصبحت تطلب منه فقط ان يهتم بها و ان يحس بها و لكن ذلك طلب لم يُلبى أيضا . فأصبحت أخيرا لا تطلب منه غير ألا يهنها أنا أولادها و ألا يتشاجر معها أمامهم حتى ا تتأثر نفسيتهم و لكن ذلك الطلب أيضا لم يُلبى و كان مبرره الوحيد انه لا يفكر فى هذه التافاهات كما تفكر بها هى لأنها كانت دماغها خالية من أعباء الحياة و لذلك تفكر بتفاهات و تطلب منه تلبيتها .
لاحظت ندى ان ابنها الكبير أحمد يجلس أمام التلفزيون و هو مغلق و لا ينطق بأى كلمة منذ فترة ليست بالقصيرة نادت عليه و لكنه لم يجيبها ذهبت إليه و جلست بجواره
ندى: أحمد !! أحمد !!! فى ايه مالك سرحان فى ايه ؟
أحمد: مش سرحان فى حاجة يا ماما
ندى: طب انت قاعد ساكت ليه و مفتحتش التلفزيون ليه؟
أحمد: ماما انا عايز اسألك سؤال هو انا امتى هموت ؟
ندى: بعد الشر عليك يا حبيبى ربنا يديك طولة العمر و افرح بيك و ب عيالك ان شاء الله انت ليه بتقول كده؟ فى حاجة مضيقاك
أحمد: هو انتى يا ماما انتى و بابا بتحبونى انا و محمد ؟
ندى: ااه طبعا يا حبيبى بنحبوكوا هو احنا لينا غيركوا
أحمد: طب بتحبوا بعض ؟
تلجلجت قليلا ندى ثم قالت: اه يا حبيبى
أحمد: امال يا ماما مادام بتحبوا بعض ليه بتتخانقوا كتير ؟
ندى: يا حبيبى كل الكبار بيختلفوا مع بعض و بعد كده بيتصالحوا وانا و بابا بينا حاجت مختلفة ف ساعات نختلف مع بعض و بعد كده بنتصالح
أحمد: بس انا و محمد بنضايق لما انتوا بتتخانقوا و بنفضل طول الليل نحلم أحلام وحشة
ندى: انا اسفة يا حبيبى و اوعدك ان احنا منتخانقش تانى خالص
احتضنت ندى ولدها أحمد و فى هذه اللحظة أدركت ان ولديها لم يعدوا أطفال و أصبحوا يدركوا كل ما يحدث من حولهم بينها و بين حسين .كانت ندى منذ أن علمت بأنها حامل كانت خائفة من هذه اللحظة كثيرا و لكن هذه اللحظة اتت أسرع بكثير مما كانت تتخيل .
وصل حسين للمنزل فى هذه الأثناء و بعد طقوس دخوله البيت من تغيير ثيابه و تناول الغذاء و ما إلى ذلك . نادت عليه ندى و  لكنه كالعادة لم يعر اى اهتمام لنداءها عليه خرجت له ندى من غرفتها قائلة : حسين لو سمحت عايزاك فى كلمتين جوه
حسين: طب ما تقولى انتى عايزة ايه انا عايز اتفرج على البرنامج ده
ندى: معلش كلمتين مهمين شوية و ماينفعوش هنا ممكن تيجى
دخلت ندى غرفة نومها و دخل وراءها زوجها قائلا : طب ما تستنى لما الولاد يناموا حبكت تعوزينى دلوقتى
ندى: حسين انت دماغك مفيهاش غير كده هو انا مينفعش اكون عايزاك فى اى حاجة تانية
حسين: يبقى عايزة فلوس
ندى: برضه لأ
حسين :طب فى ايه يا ريت تقولى بسرعة لأنى راجع هلكان من الشغل
روت له ندى ما قاله أحمد لها و لكنه كعادته استخف بالموضوع
حسين: يا شيخة خضيتينى عيل و بيقول اى كلام
ندى: لا يا حسين هو مش عيل عنده 9 سنين خلاص مبقاش عيل و كمان انت لو بتقعد مع ولادك كنت عرفت انهم متأثرين باللى انت بتعمله ده
حسين: انا اللى بعمل و انتى الملاك البرئ
ندى : انا لا قلت ملاك برئ و لا غيره انا بقول ان انت لو حابب انك تتخانق يا ريت تبطل تتخانق ادامهم لأنهم متأثرين جدا بالموضوع ده
حسين:خلاص متبقيش انتى تضايقينى و انا مش هتخانق معاكى ادامهم
ندى: انا مبنرفزكش انت اللى بتصر انك تهينى فى ا وقت المهم دلوقتى لو مكنتش انت خايف على نفسية الولاد انا خايفة عليها
حسين: خلاص يا ست يا بتاعة النفسية محسسانى انى قاعد مع دكتورة نفسية ده انتى صيدلانية ولا نسيتى
قالت ندى بينها و بين نفسها : البركة فيك انت تسيتنى كل حاجة حتى انك نسيتنى نفسى
ثم قالت ندى بصوت مسموع لحسين : لا منستش لسه فاكرة
و فى طريقها لمغادرة الغرفة قال لها حسين : ما تيجى بعد ما العيال يناموا .....
قاطعته ندى: ماشى يا حسين
غادرت ندى الغرفة و هى يزداد بداخلها احساس انها تخطئ فى حق أطفالها و فى حق نفسها تحولت حياة ندى كلها لعادة حتى اللحظات الخاصة بينها و بين زوجها أصبحت عادة لا تشعر فيها بأى شئ أصبحت ندى احدى المومسات و لكن بطريقة شرعية وورقة زواج رسمية موثقة و لكنها أحست نفسها لا تختلف كثيرا عنهم . من الممكن ان بعض يعترض او يستنكر طريقة تفكير ندى و لكن هذه الحقيقة التى يحاول مجتمعنا إخباءها او انكارها . كم زوج مصرى يحاول إسعاد زوجته أو إشعال شرارة حبهما مرة آخرى فى الحياة العادية . كم زوج مصرى بعد مرور سنتين او ثلاثة على الأكثر يفكر فى احتياجاته فقط و هذه المدة لمن رحم ربى و لكن فى آخريين بمجرد انتهاء قترة أسبوع العسل . كم زوج مصرى يبوخ إمرأته على زيادة وزنها و عدم اهتمامها بنفسها و فى نفس الوقت لا ينظر لنفسه ولا يرى كم ازداد وزنه و ان من حق امرأته ان يهتم بمنظره و جسده كما هو من حقه ان تهتم هى بمنظرها و بجسدها . و لكن لأنه رجل فلا يهتم بهذه الأمور و لكن لابد ان يرى فى زوجته كل النساء الجميلة من هيفاء وهبى و إليسا و نانسى عجرم و لا يحق لزوجته ان ترى فيه أحمد عز و محمد رجب و كريم عبد العزيز . بالأختصار المجتمع المريض الذى نعيش فيه يمجد الرجل و متطلباته مع ان فى نفس الوقت المرأة لها نفس المتطلبات و لكن لأن الرجل هو العنصر المهيمن على المجتمع ف هو و متطلباته فوق النصف الآخر للمجتمع ......


تحياتي لهذا المجتمع الذكورى 9 ..... بقلم ريم موسى




بعض الأوقات يكون الحديث مع الأصدقاء مريح عن الحديث مع الأهل و هذا ما كانت ندى توصلت له منذ عدة سنين مضت . حين أستيقظت ندى هذا اليوم لم تكن تعلم انه سيكون يوم مختلف تماما ..... قبل أن تركب ندى سيارتها تذكرت شئ فى ذلك الصندوق الخشبى فتحت شنطتها و أخرجته و ركبت السيارة و لكنها توقفت فى إشارة مرور و بالصدفة سمعت كلمات تعنى لها الكثير " يا نجمة كل ما ضيها يلمس حجر يعلى و يتحول قمر بكتب حروف اسمك بحبات الندى على كل أوراق الشجر مين اللى يقدر يعشقك أدى أنا مين اللى يقدر يوصفك زى أنا يا حلم نفسى تحلمه كل القلوب يا أعلى إحساس شدنى خلانى أدوب خلانى أحس انى بشر عايزانى ليه لما تقوليلى بعشقك مأصرخش و أملى الكون آهات ". كانت هذه الأغنية من الأغانى المفضلة لندى . و تذكرت ندى هذه الأطوانة الموجودة فى الصندوق الخشبى أخرجتها ووضعتها لتستمع لها كانت عبارة عن مجموعة من الأغانى التى أعنت الكثير لندى فى يوم من الأيام و كانت أول أغنية هى لما النسيم لمحمد منير بمجرد أن سمعت ندى موسيقى هذه الأغنية انتابها عاصفة من الذكريات اللامنتهية و كأنها أصبحت فى عالم آخر .. كانت هذه الكلمات لها تأثير كالسحر على ندى لم يكن أحد يعلم لما ندى تحب هذه الأغنية بهذا الجنون مع انها لم تكن من محبى محمد منير فى البداية و لم يعلم أحد لما تحولت لعشق محمد منير على هذا النحو إلا بضعة أشخاص . تواصل تسلسل الأغانى التى حملت لندى لعالم من الذكريات و الحنين للماضى و لجزء بداخلها كانت ظنت أنه إختفى أو أنها حاولت نسيانه و إخفاءه . وهى تسير فى شوارع القاهرة كانت بعض الذكريات تناتبها من ذكرياتها مع أصدقاءها نهال و عاصم و حين كانت نهال تقابل مازن و الكثير و الكثير من الذكريات التى لا يمكن مهما مضى من العمر أن تنساها و بعض الذكريات الآخرى التى حاولت نسيانها و ليس لأنها ذكريات سيئة و لكن لأنها كانت الأفضل على الإطلاق و حاولت نسيانها حتى لا تسبب مشاكل فى حياتها الجديدة مع زوجها ز هذا ليس لأن ندى تحب زوجها و لكنها لا تقبل على نفسها أن تكون معه و تتذكر غيره . توقفت عند محل لبيع العصائر لتشترى لنفسها شئ تتناوله لأنها خرجت بدون تناول وجبة الفطور . ركبت سيارتها مرة آخرى هذه السيارة ذات أحدث موديلات السيارات أشترتها ندى قبل زوجها بمدة لا تزيد عن شهرين و لكنها لم تكن تحبها لأنها تذكرت كيف حصلت عليها ...... وصلت ندى أخيرا و بعد حوالى ما يزيد عن الساعة لمكان لقاءها مع نهال و كان ذلك نتيجة إزدحام الطرق كعادة طرق القاهرة الكبرى . دخلت ذلك المطعم و هاتفت نهال لتقول لها انها وصلت قالت لها نهال انها سوف تصل فى غضون عشرة دقائق . غرقت ندى مرة آخرى فى ذكرياتها مع أصدقائها و لكن ظل وجه يظهر فى ذكريات ندى و مع كل محاولاتها المستميته لتخفي هذا الوجه عن نفسها و لكن فى كل مرة تتذكر شئ تجده أمامه و كأنه يعاندها و يظهر لها ضد رغبتها . شاب فى أواخر العشرينات ذو مظهر جذاب للغاية قمحى البشرة و عيناه بنية اللون لهما سحر خاص و ذلك الشعر البنى الفاتح طويل ذو جسم متناسق تماما . شاب لا تستطيع ان تراه فتاة و إلا أن تعجب به و خاصة بتلك البذلة كحلية اللون الخاصة بالطيارين . وجدت ندى نفسها بدون قصد تبتسم إبتسامة لم تكن ترتسم على شفتيها إلا عندما تتذكر هذا الشاب و بالرغم البعد بينهما ظلت تتمنى له الخير له و تتدعى له بداخلها و ترجو ربها أن يستجيب لها . دخل من باب المطعم ثلاثة أشخاص فتاة و شابين . فتاة ى أول الثلاثين من عمرها و طويلة نوعا ما و جسمها يشبه أجسام ممثلات هوليوود المشهورات ذات بشرة فاتحة اللون و الشعر المجعد كستنائى اللون و العينان عسلية و ترتدى فستان سكرى اللون و فوقه جاكت جينز و فى الحقيقة تبدو و كأنها مازالت فى أوائل أو منتصف العشرينات . و أحد الشابين طويل القامة و عريض المنكبين قمحى البشرة و ذو العينان سوداء اللون يرتدى بذلة سوداء و ربطه عنق رمادية اللون و كأن تحيطه هالة من الهيبة و يشبه كثيرا أخيه عاصم مع إختلاف السن و العمل . الشاب الآخر لم تكن ندى تتوقع رؤيته تماما يرتدى بنطال جينز و جاكت جملى اللون و مازالت عيناه تلمعان و يشعوا بالسحر الخاص بهما و كأن لم يمر عليه الأيام . جلس ثلاثتهما مع ندى على نفس الطاولة نهال و وكيل النيابة مازن خطيبها الذى أتى ببذلة العمل و معتز أخ نهال . ظلت ندى تنظر لثلاثتهما حتى قالت نهال أخيرا: ايه يا ندى هانم عاملة ايه ؟ احنا كنا بنشوف القاعات عشان الفرح انا و مازن و معتز و قالوا يجوا يسلموا عليكى
ندى: أنا تمام الحمد لله انتوا عاملين ايه ؟ .... كانت تظهر مظاهر القلق و اللجلجة على ندى
مازن : احنا تمام الحمد لله انتى ايه اخبارك يا بنتى مختفية تماما
ندى: ولا مختفية ولا حاجة ادينى موجودة ده حتى كنت لسه كنت مع عاصم امبارح
مازن : يعنى عاصم هو اللى حلو و احنا ميتسألش علينا
ندى: لا والله ده انا شفته بالصدفة انت عامل ايه ؟ ايه اخبار النيابة عل حسك
مازن: تمام لو عايزة نلبس اى حد مصيبة قولى بس انتى تؤمرى
أخيرا سمعت ندى هذا الصوت الذى كان دائما يدور فى فكرها معتز : انتى عاملة ايه يا ندى انا لما نهال قالت انها هتقابلك قلنا لازم نيجى نسلم عليكى
صمتت ندى للحظات ثم قالت : أحسن حاجة انا فعلا من زمان مشفتكوش انت عامل ايه يا معتز؟
معتز: الحمد لله لسه فى الجو فاضلى دولتين إيران و أفغناستان عشان اكون لفيت العالم كله ثم ضحك ضحكة لم تفهمها غير ندى
ندى: انت لسه مصر تروح برضه ايران و أفغنستان بعد الشر يا سيدى ايه يا نهال هتتجوزى امتى و لا مستنية قرار النائب العام
ضحكت نهال قائلة : لا خلاص سيادة وكيل النيابة قرر ان احنا هنتجوز يوم ما نتم ال 15 سنة مع بعض
ندى : يعنى يوم 1 إبريل الجاى
مازن : ده انتى حافظة بقى
غمزت نهال لمازن حتى يصمت : هتيجى بقى ولا ايه ؟
ندى: هأجى طبعا انا أقدر أتأخر
معتز: انا هاجى يوم فرحها الصبح من فرنسا
ندى: خلاص هاتلها هدية فرحها من هناك
معتز: ربنا يهديكى عل الطيب يا ندى
ضحكوا جميعا ثم استردت ندى قائلة : ايه يا نهال انتى هتفوتيها كده
نهال : انتى تعرفى عنى كده برضه
وقف مازن فجأة موجها كلامه لمعتز : مش يلا بقى ولا ايه انت عندك طيارة بليل تعالى اوصلك و سيب عربيتك لنهال تروح بيها
معتز: ماشى بس لو سمحتى يا نو تركنى العربية فى الجراج و تقولى للسايس ينظفها من جوه و من بره
نهال: حاضر عنيا يا باشا
قامت نهال مع أخيها و خطيبها لتوصلهما و فى هذه الأثناء أجبرت ندى أن تتذكر فترة خطوبتها من حسين و كيف كان يعاملها مع كل محاولاتها لإرضاءه إلا انه كان صعب الإرضاء مهما فعلت معه و مع كل ما كان يفعله و كم الكلمات التى يلتفظها فى غضبه و عدم سؤاله عنها و لا حتى مكالمتها فى أى وقت يكون فيه مضايق قليلا . و كم مرة كانت هى منهارة و محتاجة لشخص بجوارها لتستند عليه لم تكن تجده . حاولت كثيرا الحديث مع والدتها و لكن كان ردها دائما و دوما الحب بيجى بعد الجواز . و لكن فى حالة ندى لم يأتى الزواج ولا غيره . سالت بعض الدموع على وجنتى ندى لكنها مسحت وجهها سريعا و لكن كانت نهال جاءت و لاحظت ما بها ربتت على كتفها و جلست.
نهال: ندى أنا اسفة و الله هما اللى أصروا يجوا معايا و الله أسفة
ندى: يا نهال انا مبفكرش ف ده كله خلاص معتز بقى له حياة و انا بقى ليا حياتى متخافيش مضايقتش و الله
نهال: طب مالك بقى إحكيلى و ايه قصة دموعك دى فى ايه يا ندى ؟
ندى: أنا تعبانة يا نهال تعبت بجد عمرى ما كنت أتخيل ان حياتى توصل للمرحلة دى
نهال: فى ايه احكيلى
ندى: طب تعالى نقعد بره فى العربية عشان لو حصل حاجة ميكونش قدام الناس كده
نهال: ماشى يا حبيبتى تعالى
غادروا المطعم سويا و ذهبوا لسيارة نهال و جلسوا سويا و بدأت ندى فى الحديث
ندى: أنا صراحة مش عارفة أبتديلك من فين بالظبط ؟ حسين اتجوز عليا
نهال: نعم !!؟ اتجوز عليكى هو انتوا لحقتوا عشان يتجوز عليكى ده لو احنا اعتبارنا ان ده خيار يعنى
ندى: ااه اتجوز عشان انا أتأخرت فى الحمل و انا كبيرة و هو عايز يشوف خلفته و انا ممكن مخلفش المشكلة مس ف كده المشكلة انى مكنتش عارفة و كان بيعاملنى معاملة قذرة و اهانة مستمرة و اكتشف فجأة من مامته انه اتجوز و كمان مراته حامل و بتقوليهالى على أساس انها بتذلنى
نهال: ده بجد انا مش مصدقة ان ممكن حد يفكر كده دى حاجة بتاعة ربنا مش بإيد حد فينا
ندى: الكوميديا السوداء بقى انى لما عرفت سبت البيت و طلبت الطلاق و روحت لأهلى بس صراحة قابلونى مقابلة خلونى أكره اللحظة اللى انا روحتلهم فيها اتخانقت مع ماما و نزلت عشان اروح لعمتى قابلت عاصم مشينا مع بعض و انا بحكيله اغمى عليا ودانى المستشفى طلعت انى حامل تخيلى يا نهال ؟ الدنيا دى عجيبة بجد
نهال: أنا حاسة انى بسمع قصة فيلم و انتى اهلك محسوش انها اهانة ليكى انه يتجوز عليكى
ندى: لا خالص ده الست الوالدة بتقولى ااه حقه عادى انتى مينفعش تسيبى بيتك
نهال: أنا بجد مذهولة طبعا مبروك انك حامل بس انا عارفة انتى حاسة بإيه دلوقتى طب انتى هتعملى ايه دلوقتى ؟
ندى: أنا سبت بيت بابا انهاردة و معايا شنطتى فى عربيتى و هأروح أقعد عند عمتى يمكن تنصفنى
نهال: ربنا معاكى بجد يا ندى و ده كله و انتى ساكتة و مبتحكيش
ندى:هأحكى ايه هو اللى انا فيه ده يتحكى خلينا كاتمة ف قلبى بدل ما يجرالى حاجة أنا هأمشى بقى عشان انتى عارفة الزحمة عاملة ازاى عشان لسه هأروح لعمتى
نهال: ماشى يا حبيبتى بس ابقى طمنينى عليكى انا هأكلمك بكرة
ندى: ماشى سلام
ترجلت ندى من سيارة نهال و ذهبت فى إتجاه عربيتها و لم تستطع التفكير فى أى شئ غير كيف ستواجه ما يحدث لها .....

جمهورية مصر العربية أم الدنيا و حضارة سبعة ألاف سنة الدولة التى ذكر فى القرآن الكريم بأن بها خير أجناد الأرض .... كل ذلك ذهب مع الرياح لم تعد أم الدنيا و لم تعد بلد الأمن و الأمان و لم تعد ذو مكانة فى أى شئ إلا مركزها التانى على كل دول العالم من حيث نسبة الأغتصاب و التحرش الجنسى و مع نسبة الأسلاميين العظيمة فى البلاد و إلا أن مازال يقع اللوم على المرأة على أنها السبب فى إثارة الرجال بغض النظر أن هناك نسبة لا يستهان بها من المتحرش بهم من المحجبات ذو الحجاب السليم . لكن ذلك لا يمنع أن المرأة هى السبب . الرجل المتحرش ذو الغرائز الحيوانية لا لوم عليه و كل من يبرر له ذلك لا لوم عليهم أيضا . أنا أرى القصور الفعلى فى المتأسلمين الذين يتمسكوا بقشور الدين و لا يعلموا عواقب كل شئ كما ذُكر فى القرآن و السنة الشريفة . و القصور أيضا فى نظام القضاء الفاسد الذى لا يحكم حكم نافذ على المتحرش أو المغتصب حتى لا يفعل مثله هذا مرة آخرى . الخطأ الفعلى هو فى سكوت الفتيات و النساء على ما يحدث لهم فى موصلات عامة و تجمعات و فى الشوارع العادية بصورة عامة لأن بمنتعهى البساطة لن يقبل المجتمع بفتاة تقول أن تم التحرش بها أو حتى تم إغتصابها و لا يمكن أن نلوم الفتيات على ذلك لأنهم لو رؤوا أى تضامن من المجتمع كانوا قاموا بالتصرف الصحيح و أبلغوا عن ما يحدث لهم . أما بالنسبة للمتأسلمين الذين يلموا الفتيات على مثل هذه التصرفات يجهلن حقيقة لابد أن يعلموها أن حتى لو الخطأ هو خطأ ملابس الفتيات ذلك لا يبرر سؤء فعل الآخرين أو بمعنى آخر خطأ الغير لا يبرر لنا خطأنا . و هنا قد برر للشرطى الذى قام بتعرية فتاة فى الشارع فى أحداث مجلس الوزراء عام 2012 و أيضا برر كشوفات العذرية التى قام بها بعض ظباط الجيش عام 2012 أيضا برر الأعتداءات على المرأة بصورة متكررة لأن لم يجدوا من يردهم عن فعل ذلك و من تتحدث يقال عنها سيئة السمعة . ذلك يتكرر بنفس الصورة بالنسبة للنساء المطلقات حيث أن المجتمع يرى أن المرأة هى المسؤولة عن بقاء البيت أو خرابه بغض النظر أن من الممكن أن يكون الزوج هو السئ أو أن لا يُحتمل من حيث تصرفاته و ألفاظه و كل شئ فأصبح مجتمعنا ينظر للنساء المطلقات كما ينظر للمرأة المُتحرش بها أو المرأة المغتصبة و تصبح منبوذة إلا من رحم ربى . نها أن